يدهشني في ظل الأزمة العربية الحالية ردود افعال الناس اتجاه اللعنة التي حلت بالمنطقة التي تسمى بداعش

-

داعش و الاسلام ونحن



يدهشني في ظل الأزمة العربية الحالية ردود افعال الناس اتجاه اللعنة التي حلت بالمنطقة التي تسمى بداعش وتجاه ماتقوم به من اعمال وحشية ضد البشر وضد الحجر. فما ان ترى فيديو جديد يخرج عن داعش تتباهى به ببربريتها حتى وجدت الناس مابين فئة تؤيد، وأخرى تستنكر وتقول ان الاسلام برئ منهم، هؤلاء ليسوا منا وانما هؤلاء هم عصبة من الصهاينة والامريكان ولايمثلون الا انفسهم.

هنا تبدأ نقطة الاختلاف. اذا تصورنا ان المستوى الثقافي والفكري في المجتمع العربي هو خط أفقي متواصل يبدأ بالتحرر المطلق وينتهي بالتعصب والتطرف المطلق (حيث تقع داعش)، لوجدنا ان اغلبية المجتمعات العربية تميل اكثر الى جهة التعصب منها الى جهة التحرر اي انها تقع بشكل متفاوت على النصف الآخر من هذا الخط الافتراضي. إن داعش هي التمثيل الأفضل وان كان الأبشع لما آلت اليها الأغلبية الساحقة من المجتمعات العربية من التعصب الفكري والتزمت الديني وعقلية الرضا والطاعة العمياء والتسليم بكل ماهو موجود ومتوارث من عادات وتقاليد بالية وتغييب كامل للعقل والتحليل النقدي ومراجعة النفس قبل الغير والتشكيك والتساؤل خاصة فيما يتعلق بآمور الدين جملة وتفصيلا. فالناس على أحوالها في مجاراة غيرها، وإن تسائلت عن حيثية دينية وجدت القاصي والداني يسارعون بالتكفير والصاق بعض المفردات التي جردت من معانها الايديولوجي الحقيقي كالوصف بالعلمانية اوالشيوعية او حتى الإلحاد. وهذا مايسمى بالإرهاب الفكري الذي دفع بالكثير من المفكرين العرب وغيرهم من الأدباء ممن يدعون الى النهضة الدينية والفكرية الى الهروب من بلادهم تحت قوة الترهيب التي وصلت في بعض الاحيان الى السجن والجلد والتعذيب كما تفعل السعودية ببعض مدونيها الشباب او كما حصل في مصر حين وضعت التيارات الإسلامية والسلفية بعض اسماء المفكرين على ما يسمى بقوائم الموتى. اذا فالارهاب الفكري في الدول العربية قد سبق بكثيرهذا الارهاب الدموي الذي تعيشه سوريا والعراق وليبيا واليمن. وماهو الا نتيجة حتمية لعقود بل قرون طويلة من التجهيل والتضليل يصاحبها تعصب مخيف للافكار و المعتقدات على اختلافها.

ان داعش هي اقرب الينا مما نتصور. فهذه العنجهية المستمدة من اطار فكري معين موجودة في كل شارع وفي كل بيت عربي، فالعلاقات المجتمعية بين الرجل والمرأة، الاب و الابن، الموظف والمدير وغيرها من العلاقات ان لم تكن نفعية فهي علاقات استبدادية تبدأ بالأمر وتلزم بالطاعة. ثم يأتي الفارق الديني ليجعلنا نؤمن أننا أحسن المخلوقات وأسمى البشر واننا دون غيرنا سندخل الجنة واما البقية فمصيرهم جهنم (وبئس المصير). ليس هناك أشد وأخطر من هذا التفكير المرعب الذي يقوم على تجزئة وتحزيب النفس والغير فيصبح كل من هو مختلف عنا ليس بانسانيتنا ولا يفكر مثلنا و لايشعر مثلنا و ليس لديه بيت واطفال وزوجة وأهل يحبهم مثلنا وليس لديه احلام او طموحات مثلنا. وهو شخص غير قادر على الفضيلة مثلنا فهو مسيحي او يهودي او اسرائيلي او فلسطيني او مصري او خليجي او امريكي اوعراقي… هو ليس مثلي ولا مثل اهلي ولا اصحابي وليس من قريتي او مدينتي ولا بلدي. نعم، لديه عينان كعيني واذنان كأذني ويدين وقدمين وبطن وظهر وقلب وعقل لكنه ليس مثلي ولايشبهني بشئ. هذا مايسمى في علم النزاعات ب«شيطنة» الغير والتقليل من انسانيتهم وبالتالي يمكنني أن نلحق بهذا المسخ او الكائن الآخر بأشد انواع العذاب ونقطع الرؤوس وننبش الاحشاء ونسلخ الجلود دون أن ينهز لنا رمش. هذه هي القاعدة الكلاسيكية لجميع الصراعات الدموية التي حدثت ومازالت تحدث في جميع انحاء العالم. وهي ايضا المحرك الحيوي والمفسر لوحشية داعش.

واذا نظرنا لتطبيق داعش للإسلام وجدناه مبررا فيما بينهم مستندا الى آيات قرآنية حقيقية واحاديث صحيحة لكنها حرفت عن سياقها او طبقت بشكل حرفي أشد حرفية مما اعتدنا عليه. عندما حرق الطيار الاردني معاذ كساسبة حيا في قفص داعش، ذهلت لحجم الغباء والجمود الذي يشل العقول العربية على مواقع التواصل الاجتماعي فوجدتهم يجادلون فيما بينهم أمر جواز حرق الانسان فهناك من يؤيد بناء على سوابق تاريخية وهناك من يعارض بدلالة أنه «لا يحرق بالنار الا رب النار». لقد اصبحنا حبيسي نصوص مضى عليها الالاف السنين وان كانت تنطق فهي تناديكم بأن تقرأوها وتفهموها بعقل الوقت الحاضر، فنحن لم نعد نعيش في الصحراء و لافي عهد الرسول ولا في عهد الدولة الاسلامية. نحن نعيش في عصر الجهل والفقر والحروب والتبعية الاقتصادية والسياسية. نحن بأمس الحاجة الى نوجد حلول جديدة وشريعة مستجدة نستمدها من القران والسنة. ان القرآن صالح لكل مكان وزمان لكن لعقل مستنير يقرأ ويتدبر ويتجاوز في فهمه القشور ليصل الى الجوهر، ويستوحي ويستلهم. هذه هي العقلية التي نحن بأمس الحاجة اليها الآن. فمنذ ان اقفل باب الاجتهاد في القرن الرابع الهجري، اقفلت عقولنا معه. داعش ليست بريئة منا بل هي الوجه البشع لهذا الركود الديني والفكري والاجتماعي تحركه وتموله مصالح سياسية في المنطقة. 

لقد حان الوقت لان ننظر الى المرآة والى وجه الحقيقة لكي نفهم كيف يمكن أن نستأصل هذا الوجه البشع الحقود الذي ظهر من بيننا ووجد في بلادنا أرضا خصبة ليعيث الفساد. فداعش هي ليست سوى اسم جديد لخلايا كثيرة ما تزال نائمة. ان التدخل العسكري الاخير لقصف هذه الحركة اللعينة لا يسمن ولايغني من جوع. القنابل والطائرات ليست هي الحل. القضاء على داعش وما سيتبعها من تنظيمات اسلامية متطرفة يستوجب حربا فكرية ونهضة دينية قبل كل شئ تقوم على التسامح الفكري والقدرة على النقد والتحليل وتقبل الاخر على اختلافه.

 مروه فطافطة -الحوار المتمدن

كلمات ذات علاقة:داعش, الاسلام
مقالات ذات صلة
اوكرانيا وقضية اللاجئين

اوكرانيا وقضية اللاجئين

ا

التفاصيل
الأمن.. حاجة إنسانية دائمة لا تغيّرها الظروف

الأمن.. حاجة إنسانية دائمة لا تغيّرها الظروف

م تختلف من شخص لآخر وحسب البيئة

التفاصيل
محمود درويش يستعيد شاهدة قبره من نيتشه

محمود درويش يستعيد شاهدة قبره من نيتشه

ه الأرض، سيدة الأرض… ما يستحق الحياة

التفاصيل