عيونهم جميعا متجهة نحو فلسطين... 30 عاما على خروج قوات الثورة

ثلاثون عاما مضت على خروج قوات الثورة الفلسطينية من بيروت بعد حصار استمر لمدة ثمانية و ثمانون يوميا و حرب دموية بكل انواع الاسلحة شنها العدو الاسرائيلي على لبنان و اجتياحه عام 1982 و حصار عاصمة عربية في ظل صمت و تواطؤ عربي رسمي لتصفية منظمة التحرير الفلسطينية و الحركة الوطنية و اللبنانية التي شكلت حالة التمرد على الواقع العربي الرسمي المهادن للعدو الاسرائيلي الذي يحتل كامل فلسطين و اراضي عربية اخرى.

 

لن اتحدث عن بطولات فردية و هي على كثرتها لا تحصى او عن رفيق او صديق استشهد المجد و الخلود لكل شهيد سقط على ثرى بيروت الغربية ، بل عن البطولة الجماعية لكل من صمد و دافع فقد عزفت بيروت الغربية بكل من فيها سيمفونية الصمود الاسطوري و التحدي لاقوى آلة عسكرية في الشرق الاوسط آلة الدمار الاسرائيلية كل حسب دوره و طريقته الخاصة رجالا و نساء و اطفالا و شيوخا مقاتلين و مدنيين في منطقة جغرافية لا تتعدى عشرات الكيلومترات المربعة و التلاحم بين المقاتلين من مختلف البلدان العربية و اصدقاء الشعب الفلسطيني و اختلطت دمائهم جميعا لتنير لنا طريق الحرية و الانتصار فلم تكن هناك فصائلية او طائفية او اقليمية او قطرية من كل المسميات التي نسمعها الآن - و تشكل تلوث سمعي - و ما احوجنا اليوم الى هذه الروح التي كانت تناضل من اجل هدف و هو تحرير فلسطين قضية العرب الاولى و كل الشرفاء في العالم.

 

خلال ثمانية و ثمانين يوما مررنا بمراحل - حالة من الخوف الانساني من المجهول او الموت الى مرحلة تساوي الحياة مع الموت الى مرحلة طلب الشهادة - فكنا نرى الفرح الطفولي و الرعب في نفس الوقت في عيون الصغار و الكبار و نتذكر يوم الاول من اغسطس عام 1982 في اعنف قصف شهدته بيروت في ذلك اليوم و استمرت لمدة ثلاثة عشرة ساعة متواصلة بدون انقطاع من الخامسة صباحا حتى السادسة مساء من قصف بري و بحري و جوي غير مسبوق حيث نفذ في ذلك اليوم اكثر من 260 طلعة و غارة جوية للطيران الاسرائيلي و قدر ما انزل من حمم مدفعية و صاروخية على بيروت بما يعادل قنبلة هيروشيا و لم يسلم شيء من هذا القصف المجنون حتى جثث الشهداء "بل احياء عند ربهم يرزقون" حيث تم قصف مقبرة الشهداء و بعد توقف القصف في السادسة مساء خرج الجميع و كأنه يوم البعث و الكل متأكد انه لن يرى صديقه او رفيقه و كان اللقاء الاكبر في منطقة ابو شاكر حيث مقر القيادة الفلسطينية و الحركة الوطنية اللبنانية و قد كانت لحظات العناق و الفرح و الالام و الدموع.

 

و كانت محاولة اقتحام بيروت من مختلف المحاور و كان المقاتلون يتسابقون لصد الهجوم و الانزال على مختلف المحاور و تم التصدي لكافة محاولات الانزال ووقف تقدم الدبابات على محور طريق المطار و الرملة البيضاء و المتحف حيث اكبر مسافة تم قطعها خلال هذه المعارك سبعة امتار اي ان عجلات الدبابة لم تستكمل دورتها و قد تكرر هذا القصف المجنون و حمم و كتل النار كأنه الجحيم مرة أخرى يوم الثالث عشر من اغسطس عام 1982 بايعاز من المبعوث الامريكي فيليب حبيب.

 

برغم كل ذلك لم تستطيع كل العنجهية الاسرائيلية و آلتها العسكرية المدعومة من قبل الولايات المتحدة الامريكية و بتواطؤ عربي رسمي ان ينتزعوا ارادة القتال و الصمود من المقاتلين و الاهالي الذين دافعوا عن شرف الامة و شكلوا مدرسة في الصمود الثوري ثم الاستفادة منه في مواجهة العدوان الاسرائيلي على لبنان صيف 2006 و العدوان على غزة في نهاية عام 2008 و لم تستطيع القوات الاسرائيلية بكل آلتها العسكرية ان تدخل بيروت و لكن بعد خروج قوات الثورة من بيروت و لخسة هذا العدو و جبنه نفذ مجزرة صبرا و شاتيلا و التي تشكل وصمة عار في جبين الانسانية لانها حتى هذه اللحظة لم تحاكم مرتكبي هذه المجزرة كمجرمي حرب.

 

و قد كان الاحتضان الشعبي العربي لهذا الصمود في كافة البلدان العربية و قد توافد للدفاع عن الثورة آلاف المتطوعين الفلسطينيين و العرب فتحية لكل طالب ترك مقعد دراسته و لكل موظف ترك عمله و للفنانيين و المثقفين الذين أتوا الى بيروت و هي محاصرة و هم كثر و منهم الفنانة الاصيلة و الملتزمة نادية لطفي و لا ننسى فريق كرة القدم الايطالي الذي فاز ببطولة كأس العالم عام 1982 و اهدائه للمحاصرين في بيروت، ان كل ذلك ساهم في الصمود الاسطوري حيث استطعنا ان نحاصر حصارنا.

 

و لا ننسى اللحظات التاريخية للوداع عند الخروج من بيروت ما بين المقاتلين و الاهالي و التي استمرت مدى ايام الخروج حيث تخرج الجماهيرعن بكرة ابيها من الصباح حتى المساء و هي ترمي الارز و الزهور على المقتالين و تودعهم بالزغاريد و لقد خرج الجميع مرفوعي الرأس و هم يشعرون بالفخر و الاعتزاز بزيهم العسكري و شرفهم من خلال بنادقهم و كان من الصور التي لا تنسى من الذاكرة عندما استلم جنود البحرية الامريكية مرفأ بيروت و كان المقاتلين تنقلهم سيارات النقل العسكري و عند دخولهم الى المرفأ رفعوا شارات النصر و اذ بجندي من مشاة البحرية الامريكية من ذوي البشرة السوداء يبادلهم شارة النصر.

 

و خرج الجميع من بيروت بسفن مختلفة عبر عباب البحر و بغض النظر عن وجهتهم كانت عيونهم جميعا متجهة نحو فلسطين...

 

كلمات ذات علاقة:بيروت ، فلسطين
مقالات ذات صلة
تعرف كيف تكون مستنيرا !؟

تعرف كيف تكون مستنيرا !؟

حس أنه متواجد باللحظة، ليس كباقي الناس،

التفاصيل
اوكرانيا وقضية اللاجئين

اوكرانيا وقضية اللاجئين

ا

التفاصيل
الأمن.. حاجة إنسانية دائمة لا تغيّرها الظروف

الأمن.. حاجة إنسانية دائمة لا تغيّرها الظروف

م تختلف من شخص لآخر وحسب البيئة

التفاصيل